الجمعة، 14 مارس 2014

الجيش العراقي









يحكى أنه كان هناك بستانيا يعمل لدى نجيب الجادر (رحمه الله) احد وجهاء وأغنياء مدينة الموصل في العهد الملكي. كان لهذا البستاني صبي كبر وتربى مع أولاد الجادر حتى أنهى دراسته الثانوية. كانت أم هذا الصبي تعمل في بيت الجادر، كان يطمح أو لنقل يحلم ان يكون ضابطا في الجيش العراقي، هذا الحلم كان تقف إمامة عقبات عديدة. ففي ذلك الوقت لم يكن يقبل في الجيش الا من كان من عائل معروفة.
في احد الأيام جاء الباشا نوري سعيد وهو رئيس الوزراء واحد ابرز الوجوه السياسية آنذاك إلى بيت صديقة الجادر وأخبر الجادر من صديقة الباشا ان لدية ولد يريد ان يكون ضابطا في الجيش. سال الباشا هل هو ابنك؟
أجاب الجادر مثل ابني وقد تربى مع أولادي فأمة وأبوة يعملان لدينا. هنا قال الباشا لا لا يقبل إن يكون ضابط. سال الجادر: لماذا؟
أجاب الباشا: ان هذا الفتى لو أصبح ضابطا فمهما كبر وصعد في المناصب سيبقى يحس بنفسه إن أمة كانت خادمة، فكيف تريد منة إن يقود جيشا. إذا تريد نساعده كأن يقبل في أي عمل واختصاص أخر إلا الجيش.
نعم كان الضابط في الجيش العراقي وحتى أواخر السبعينات من القرن الماضي له مكانة وخصوصية، اذا قدم احد طلبا للانتساب الى الكلية العسكرية فلابد من ان يتم السؤال عنة وعن عائلته من جميع النواحي وخصوصا الأخلاقية والسمعة والمركز المالي والاجتماعي، لهذا تم بناء جيش قوي.
كان الضابط في ذلك الوقت لا يسمح لأحد من جنوده ان يفضل عليه بشيء كان يأبى إن يأخذ (الرشاوى ) بأي شكل او صورة كانت هناك مثل وقيم وتقاليد عسكرية فرضت احتراما على الجميع لهذه المهنة المقدسة

الجمعة، 28 فبراير 2014

يا عَبلُ أَينَ مِنَ المَنِيَةِ مَهرَبي



عنترة بن شداد العبسي




يا عَبلُ أَينَ مِنَ المَنِيَةِ مَهرَبي
إِن كانَ رَبّي في السَماءِ قَضاها


وَكَتيبَةٍ لَبَّستُها بِكَتيبَةٍ
شَهباءَ باسِلَةٍ يُخافُ رَداها


خَرساءَ ظاهِرَةِ الأَداةِ كَأَنَّها
نارٌ يُشَبُّ وُقودُها بِلَظاها


فيها الكُماةُ بَنو الكُماةِ كَأَنَّهُم
وَالخَيلُ تَعثُرُ في الوَغى بِقَناها


شُهُبٌ بِأَيدي القابِسينَ إِذا بَدَت
بِأَكُفِّهِم بَهَرَ الظَلامَ سَناها


صُبرٌ أَعَدّوا كُلَّ أَجرَدَ سابِحٍ
وَنَجيبَةٍ ذَبَلَت وَخَفَّ حَشاها


يَعدونَ بِالمُستَلئِمينَ عَوابِساً
قوداً تَشَكّى أَينَها وَوَجاها


يَحمِلنَ فِتياناً مَداعِسَ بِالقَنا
وُقُراً إِذا ما الحَربُ خَفَّ لِواها


مِن كُلِّ أَروَعَ ماجِدٍ ذي صَولَةٍ
مَرِسٍ إِذا لَحِقَت خُصىً بِكُلاها


وَصَحابَةٍ شُمَّ الأُنوفِ بَعَثتُهُم
لَيلاً وَقَد مالَ الكَرى بِطُلاها


وَسَرَيتُ في وَعثِ الظَلامِ أَقودُهُم
حَتّى رَأَيتُ الشَمسَ زالَ ضُحاها


وَلَقيتُ في قُبُلِ الهَجيرِ كَتيبَةً
فَطَعَنتُ أَوَّلَ فارِسٍ أَولاها


وَضَرَبتُ قَرنَي كَبشِها فَتَجَدَّلا
وَحَمَلتُ مُهري وَسطَها فَمَضاها


حَتّى رَأَيتُ الخَيلَ بَعدَ سَوادِها
حُمرَ الجُلودِ خُضِبنَ مِن جَرحاها


يَعثُرنَ في نَقعِ النَجيعِ جَوافِلاً
وَيَطَأنَ مِن حَميِ الوَغى صَرعاها


فَرَجَعتُ مَحموداً بِرَأسِ عَظيمِها
وَتَرَكتُها جَزَراً لِمَن ناواها


ما اِستَمتُ أُنثى نَفسَها في مَوطِنِ
حَتّى أُوَفّي مَهرَها مَولاها


وَلَما رَزَأتُ أَخاً حِفاظَ سِلعَةً
 إِلّا لَهُ عِندي بِها مِثلاها


أَغشى فَتاةَ الحَيِّ عِندَ حَليلِها
وَإِذا غَزا في الجَيشِ لا أَغشاها


وَأَغَضُّ طَرفي ما بَدَت لي جارَتي
حَتّى يُواري جارَتي مَأواها


إِنّي اِمرُؤٌ سَمحُ الخَليقَةِ ماجِدٌ
لا أُتبِعُ النَفسَ اللَجوجَ هَواها


وَلَئِن سَأَلتَ بِذاكَ عَبلَةَ خَبَّرَت
أَن لا أُريدُ مِنَ النِساءِ سِواها


وَأُجيبُها إِمّا دَعَت لِعَظيمَةٍ
وَأُغيثُها وَأَعِفُّ عَمّا ساها


 

الثلاثاء، 19 نوفمبر 2013

سفر أيوب

بدر شاكر السياب







لك الحمد مهما استطال البلاء

ومهما استبدّ الألم،

لك الحمد، إن الرزايا عطاء

وان المصيبات بعض الكرم.

ألم تُعطني أنت هذا الظلام

وأعطيتني أنت هذا السّحر؟

فهل تشكر الأرض قطر المطر

وتغضب إن لم يجدها الغمام؟

شهور طوال وهذي الجراح

تمزّق جنبي مثل المدى

ولا يهدأ الداء عند الصباح

ولا يمسح اللّيل أوجاعه بالردى.

ولكنّ أيّوب إن صاح صاح:

«لك الحمد، ان الرزايا ندى،

وإنّ الجراح هدايا الحبيب

أضمّ إلى الصّدر باقاتها

هداياك في خافقي لا تغيب،

هداياك مقبولة. هاتها!»

أشد جراحي وأهتف

بالعائدين:

«ألا فانظروا واحسدوني،

فهذى هدايا حبيبي

وإن مسّت النار حرّ الجبين

توهّمتُها قُبلة منك مجبولة من لهيب.

جميل هو السّهدُ أرعى سماك

بعينيّ حتى تغيب النجوم

ويلمس شبّاك داري سناك.

جميل هو الليل: أصداء بوم

وأبواق سيارة من بعيد

وآهاتُ مرضى، وأم تُعيد

أساطير آبائها للوليد.

وغابات ليل السُّهاد، الغيوم

تحجّبُ وجه السماء

وتجلوه تحت القمر.

وإن صاح أيوب كان النداء:

«لك الحمد يا رامياً بالقدر

ويا كاتباً، بعد ذاك، الشّفاء!»

*




لندن 26/12/1962